ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

182

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

صاحبه بالحياة فاختار كلاهما الحياة فأوحى الله عز وجل إليهما أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب عليه السّلام آخيت بينه وبين محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم فبات على فراشه يفديه بنفسه فيؤثره بالحياة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه فكان جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبرئيل ينادي بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة فأنزل الله تعالى « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبادِ » ( 2 ) . ( بيان علاج البخل ) اعلم أن البخل سببه حب المال ولحب المال سببان أحدهما حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل فإن الإنسان لو علم أنه يموت بعد مدة قليلة ربما كان لا يبخل بماله إذ القدر الذي يحتاج في يوم أو في شهر أو في سنة قريب . وإن كان قصير الأمل وكان له أولاد قام الولد مقام طول الأمل لأنه يقدر بقاءهم كبقاء نفسه فيمسك لأجلهم ولذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الولد مبخلة مجنبة مجهلة فإذا انضاف إلى ذلك خوف الفقر وقلة الثقة بمجيء الرزق قوي البخل لا محالة . السبب الثاني أن يحب عين المال فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره إذا اقتصر على ما جرت عادته بنفقته ويفضل آلاف وهو شيخ لا ولد له ومعه أموال كثيرة ولا تسمح نفسه بإخراج الزكاة ولا بمداواة نفسه عند المرض بل صار محبا للدنانير عاشقا لها يلتذ بوجودها في يده وبقدرته عليها فيكنزها تحت الأرض وهو يعلم أنه يموت فتضيع أو يأخذها أعداؤه ومع هذا فلا يسمح لنفسه بأن يأكل منها ويتصدق فهذا مرض القلب عظيم عسير العلاج لا سيما في كبر السن وهو مرض مزمن لا يرجى علاجه وكل شيء له علاج وعلاج كل علة بمضادة سببها فيعالج حب الشهوات بالقناعة باليسير وبالصبر ويعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت والنظر في موت الأقران وطول تعبهم في جمع المال وضياعه بعدهم ويعالج التفات القلب إلى الولد بأن الذي خلقه خلق معه رزقه وكم من ولد لم يرث من أبيه مالا وحاله أحسن ممن ورث وبأن يعلم

--> ( 1 ) سورة البقرة آية 207 .